غزة/ سماح المبحوح:
لم يحتج قرار وقف إدخال الشاحنات التجارية إلى قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم، والاقتصار على دخول أعداد محدودة من شاحنات المساعدات المخصصة للمنظمات الدولية، إلى وقت طويل حتى تظهر تداعياته في الأسواق؛ إذ سرعان ما قفزت أسعار الخضراوات والسلع الأساسية، لتضيف أعباء جديدة إلى كاهل المواطنين، وسط ترقّب لاحتمال إعادة فتح المعابر واستئناف تدفق البضائع التجارية.
وشهدت الأسواق ارتفاعات حادة في أسعار الخضراوات، إذ ارتفع سعر كيلو البطاطا من 5 شواكل إلى نحو 14 شيكلًا، والطماطم من 5 إلى 15 شيكلًا، فيما تضاعفت أسعار أصناف أخرى، بينها الليمون والفلفل والبصل والباذنجان والكوسا، بنحو ثلاثة أضعاف، وفق الأسعار المتداولة في الأسواق.
وامتدت الزيادة إلى اللحوم والدواجن المجمدة؛ إذ ارتفع سعر كيلو الدجاج المجمد من 20 شيكلًا إلى 25 شيكلًا، فيما صعد سعر كيلو اللحوم البقرية المجمدة من نحو 40 شيكلًا إلى قرابة 50 شيكلًا.
ولم تسلم المواد الاستهلاكية الأساسية من موجة الغلاء؛ فقد ارتفع سعر كيس الدقيق من 60 شيكلًا إلى 95 شيكلًا، فيما زاد سعر كيس السكر من 170 شيكلًا إلى 230 شيكلًا، في وقت تتصاعد فيه مخاوف المواطنين من استمرار ارتفاع الأسعار إذا طال توقف إدخال الشاحنات التجارية، خصوصًا في ظل محدودية البدائل المتاحة لتوفير احتياجات الأسواق.
ولم يسلم غاز الطهي من موجة الارتفاع، فقد شهد قفزة جديدة وذلك في أعقاب النقص الحاد في امداداته الشحيحة أصلا قبل إغلاق المعابر، إذ لا يتعدى حجم ما كان يدخل يوميا خمس شاحنات لا تغطي حجم الاحتياج الهائل في القطاع، ما يضاعف الأعباء المعيشية على الأسر النازحة التي تكافح لتوفير أبسط مقومات الحياة.
ومنذ الأربعاء الماضي، تعطل عمل معبر كرم أبو سالم لدخول الشاحنات التجارية، ليزيد من تداعيات حالة الشلل والتعطل المتكرر التي شهدتها أسواق القطاع خلال الشهرين الماضيين بذريعة الأعياد اليهودية.
وبينما يترقب المواطنون أي تطورات بشأن إعادة فتح المعابر أمام حركة البضائع، تبقى الأسواق عرضة لمزيد من التقلبات، في ظل ارتباط توافر السلع وحجم المعروض منها باستمرار تدفق الإمدادات التجارية إلى القطاع.
عدد قليل من الخضروات
يبحث الشاب محمود حنون بين أصناف الخضراوات في سوق الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، لإعداد صحن سلطة، قبل أن يحسم خياراتها بشراء حبتين من الخيار ومثلهما من البندورة وحبة ليمون، بعدما أصبحت أسعار السلع أعلى من قدرته على شراء كيلوغرام من كل صنف.
يقول حنون لـ "الاستقلال" إن الأسعار مرتفعة جدا، ولم أعد قادر على شراء الكميات التي كنت أشتريها سابقا، في ظل ظروف معيشية صعبة ونقص القدرة على توفير احتياجات أسرتي اليومية".
ويشير إلى أن أسعار الخضروات والفواكه وصلت قبل أيام لنحو ستة شواكل للكيلوغرام (دولارين)، بينما قفزت فجأة إلى أضعافها، ولم يعد قادرا على شراء ما يكفيه منها.
قرار بالإغلاق
وفور ارتفاع أسعار الخضروات والفواكه في أسواق قطاع غزة، أغلق البائع إسماعيل الجدبة بسطته دون التفكير كثيرا في ذلك، مشيرا إلى أن الأسعار فاقت قدرته على شرائها، وقدرة زبائنه.
وأوضح الجدبة لـ "الاستقلال" أنه غير نادم على قرار اغلاق بسطته، فأسعار الخضروات والفواكه وصلت حد الجنون، مبينا أنه عمل على ذلك تفاديا لتلف بضاعته وخسارة قيمتها، فعرض السلع لديه سيكون أكثر من الطلب على شرائها.
وأشار إلى أن المواطنين في الأيام التي سبقت القرار، كانوا يعتمدون على شراء كميات أقل من الخضروات والفواكه لوضعهم المادي السيء، فأسعارها حينها لم تكن في متناول الجميع، متسائلا فكيف لهم أن يشتروها بعد أن شهدت ارتفاعا حادا.
ولفت إلى أن غالبية زبائنه كانوا يعتمدون بشكل كبير على الاستدانة منه لشراء ما يلزمهم من خضروات وفواكه، ويعملون على السداد حين توفر المال لديهم، وخلال الأيام الجارية بات يصعب عليهم فعل ذلك.
أرقام صادمة
وتكشف بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الأسواق في غزة كانت تواجه ضغوطًا اقتصادية حادة حتى قبل التطور الأخير.
ووفق التقرير الإنساني المنشور في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، سجل متوسط التضخم في سبتمبر/أيلول مستوى يزيد بنحو 204% على أسعار ما قبل أكتوبر 2023، فيما شهدت أسعار بعض المنتجات الغذائية تقلبات واضحة نتيجة تغير كميات البضائع المتاحة.
وأشار التقرير إلى أن القطاع الخاص تسلم 788 شاحنة تجارية بين 21 و27 سبتمبر، بانخفاض نسبته 10% عن متوسط الأسابيع الأربعة السابقة.
وتعكس هذه الأرقام هشاشة الأسواق واعتمادها على انتظام حركة الشحنات، لكنها تعود إلى سبتمبر ولا تمثل حصيلة الشاحنات أو الأسعار يوم 16 أكتوبر.
ووفقا لمصادر محلية، فقد دخل قطاع غزة خلال الأسبوع الأول من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الجاري 532 شاحنة تجارية و249 شاحنة مساعدات (بمتوسط 111 شاحنة يوميا)، وهو ما لا يتجاوز 18% من البروتوكول الإنساني المتفق عليه في تفاهمات وقف إطلاق النار بـ "شرم الشيخ" قبل عام والمحددة بـ 600 شاحنة يوميا.
في حين شهد الأسبوع الثاني من الشهر ذاته دخول 351 شاحنة تجارية و530 شاحنة مساعدات (بمتوسط 125 شاحنة يوميا).
وكان القطاع قد سجل خلال شهر أيلول/ سبتمبر الماضي دخول 3781 شاحنة تجارية و1244 شاحنة مساعدات (بمتوسط 167 شاحنة يوميا)، وبنسبة لم تتجاوز 27% من البروتوكول الإنساني..
ويتزامن الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه القطاع، في ظل استمرار ارتكاب الاحتلال منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا ومرضا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 249 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.


التعليقات : 0